ابن رشد

167

تهافت التهافت

المسألة الخامسة في بيان عجزهم عن إقامة الدليل على أن اللّه تعالى واحد ، وأنه لا يجوز فرض اثنين واجبي الوجود كل واحد منهما لا علة له واستدلالهم على هذا بمسلكين : المسلك الأول : قالوا : إنهما لو كانا اثنين لكان نوع وجود الوجود مقولا على كل واحد منهما . وما قيل عليه أنه واجب الوجود فلا يخلوا : إما أن يكون وجود وجوده لذاته ، فلا يتصور أن يكون لغيره ، أو وجوب الوجود له علة ، فيكون ذات واجب الوجود معلولا ، وقد اقتضت علة له وجوب الوجود له . ونحن لا نريد بواجب الوجود إلا ما لا ارتباط لوجوده بعلة بجهة من الجهات . وزعموا أن نوع الإنسان مقول على زيد ، وعلى عمرو ، وليس زيد إنسانا لذاته ، إذ لو كان إنسانا لذاته ، لما كان عمرو إنسانا ، بل لعلة جعلته إنسانا ، وقد جعلت عمرا أيضا إنسانا فتكثرت الإنسانية بتكثر المادة الحاملة لها . وكذلك ثبوت وجوب الوجود لواجب الوجود ، إن كان لذاته فلا يكون إلا له وإن كان لعلة فهو إذا معلول وليس بواجب الوجود فقد ظهر بهذا أن واجب الوجود لا بد أن يكون واحدا . فهذا القول الذي أورده أبو حامد . ثم قال أبو حامد مجيبا لهم على طريق المناقضة : قلنا : قولكم نوع وجوب الوجود لواجب الوجود لذاته أو لعلة تقسيم خطأ في وضعه ، فإنا قد بينا أن لفظ وجوب الوجوب فيه إجمال إلا أن يراد به نفي العلة فلتستعمل هذه العبارة فنقول لم يستحيل ثبوت موجودين لا علة لهما وليس أحدهما علة للآخر . فقولكم إن الذي لا علة له لا علة له أما لذاته وأما لسبب تقسيم خطأ لأن نفي العلة واستغناء الوجود عن العلة لا يطلب له علة فأي معنى لقول القائل أن ما لا علة له لا علة له أما لذاته أو لعلة إذ قولنا لا علة له سلب محض والسلب المحض لا يكون له سبب ولا يقال فيه أنه لذاته أو لا